الأرشيفات الشهرية: يوليو 2014

الوطن للجميع …

رسم كاريكاتوري لسام فلطسطيني

متى ستشرق شمسك أيها الوطن الكئيب؟

متى ستزول الضبابة السوداء المظلمة التي تحجب النور؟

متى ستزول غربتنا فيك أيها الوطن؟

 أقسى غربة يمكن أن يعيشها الإنسان هي الغربة في الوطن، وطن لا يحس فيه الفرد لا بقيمته كشخص ولا بكرامته كإنسان، وطن يتمنى فيه الحاكم أن يبيد الكادحين فهم مزعجون ووجدوا في هذا الوطن عن طريق الخطأ، حاكم يقول

” الوطن لي” وأنتم خدمي، وطن لا حق لك فيه سوى أن تدلي بصوتك يوم الإنتخابات المحددة سلفا نتائجها …

 لا حق لك في وطنك، تحس بالتيه والضياع، بالحيرة والدهشة أيضا، ماذا أفعل هنا كمن  ضل طريقه فاستعصى عليه الرجوع، وفقد من هول الصدمة وعيه،  فلم يعد يعرف لا من أين أتي ولا أين يسير …؟

أنعم الله على أوطاننا بخيرات وثروات طبيعية كثيرة ومتنوعة، تكفي لتجعل الشعب يعيش عيشة كريمة وتضمن له مواطنته وحقوقه الطبيعية التي لم يرها منذ وجد نفسه غريبا في هكذا وطن، احتكار ثروات الوطن يجعل فئة عريضة من الشعب تعيش الإقصاء والتهميش و اللاعدالة اجتماعية…، وتكرس الطبقية والفقر والقهر المعنوي والمادي …

إن الديموقراطيات العريقة، تجعل ثروات بلدناها في خدمة شعوبها، فالثروات توزع عن طريق تسهيل الولوج للمرافق الصحية والتعليمية والإقتصادية، وضمان استفادة كاملة وغير مشروطة لكل مواطن كائن ما كان، بلا تمييز ولا إقصاء، وخلق مشاريع حقيقية تضمن دخلا كريما للمواطنين وتضمن حقهم في الشغل …

إنها بلدان تعي جيدا أن ببناء الشعوب نبني الحضارات، تدبير سليم للموارد يجعل الإنسان يحس بأن له قيمة في وطنه، فيستشعر وطنيته ويدافع عنها باستماتة …

الوطنية ليست مجرد كلمة عابرة، الوطنية تبنى، وبناؤها رهين بمدى ديموقراطية الدولة، فالوطنية لا ترتبط بالشعب، بل تبدأ من الحاكم إلى آخر مواطن …، وطنية الحاكم تتجلى في مدى حبه لشعبه ووطنه، تتجسد وطنية الحاكم في تسخيره لثروات الوطن لخدمة الشعب والرقي به، وطنية الحاكم تقتضي منه أن لا يحتكر لنفسه خيرات البلد، وطنية الحاكم تلزمه بأن يحب لأبناء الشعب ما يحبه لأبنائه، والوطنية فعل صادق ينعكس إيجابا على أفراد الشعب، وليس خطابات رنانة سئمها الكبير والصغير …

 لا تطالب أحدا بأن يكون وطنيا وأنت لا تمث للوطنية بصلة، حب الوطن شيء والوطنية التي تريدونها شيء آخر، الوطن بريء منكم والوطنية أيضا بعيدة عنكم، نحس اليوم بالغربة، وغدا سنسترجع أوطاننا … الوطن ليس ملكا لأحد، فالوطن للجميع.

قراءة في الأنظمة الملكية العربية

صورة ملوك العرب، ثورة شخصية
 

يصير لقب ملك بلا معنى في غياب شعب يضمن استمرارية المُلك، ويصبح شخص الملك قالبا فارغا وفزاعة قد لا تهابها حتى العصافير في الحقول …

لا الجيوش تصنع الملوك، ولا الحاشية تضمن استمرارية المُلك، قد ينقلب الجيش ضد الحاكم فيصبح الملك عبدا والعبد سيدا، كما تتفن الحاشية في وضع الدسائس وتدبير المكائد، ليصبح الأخ عدوا يطعن أخاه ويخون ثقته ويضرب عرض الحائط رابط القرابة الدموية من أجل أن يصبح هو الآخر ملكا …

 كل الأنظمة الملكية المتواجدة اليوم بالعالم العربي، تربطها روابط متينة وعلاقات صداقة قوية، لا لشيء إلا لغاية في أنفس الملوك قضوها، فإذا اهتز عرش ملك في الخليج سيهتز الآخر في مكان ما من ربوع الوطن العربي … وليس من مصلحة أي ملك أن يهتز عرش صديقه الملك فقد اعتادوا جلسة الملوك …

والنظام الملكي شبيه لحد ما بالثيوقراطية التي سادت أوروبا القرون الوسطى، والتي تم القضاء عليها بفضل نضالات مفكري عصر الأنوار ..، الملكية تضرب في العمق كل مبادئ الديموقراطية التي نصت عليها المواثيق الدولية ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها.

الأنظمة الملكية التي لا تزال قائمة اليوم في الدول العربية، تكاد تعد على رؤوس الأصابع، لها غاية مشتركة هي الحفاظ على استقرارها في ظل التوترات التي تعرفها المنطقة والعالم ككل، و ضمان نقل سلس للحكم من الأب الملك لابنه أو أخيه الأمير تكريسا لنظام الحكم بالوراثة …

الأنظمة الملكية العربية هي أنظمة بلا شعوب، تحكم بقوة السلاح وتفرض الولاء والخضوع، إنها لعنة تسبب فيها الأجداد وتجرع مرارتها الأحفاد …

للشعب قوة تضاهي قوة الجيوش والأسلحة التي يبرع الملك في العناية بها، فهي من تعبد الطريق للملوك، وتضمن استمراريتهم…، تعلمنا أن الجندي يدافع عن وطنه ضد الأعداد وأن الرصاصة صنعت لقتل العدو المعتدي …، لنكتشف أن الجندي يدافع عن كرسي ليضمن استقراره ومستعد لأن يرمي الرصاص على أبناء الوطن … فالوطن لديه هو ظل العرش.

لا تطالب الشعوب بأكثر من العيش الكريم، مطلب بسيط من شأنه أن يتحقق إذا وزعت ثروات الوطن بعدل ومساواة، واستفاد الكل من نصيبه بدلا من الطبقية الفاحشة التي تسترزق من جوع الكادحين …

ملك بلا شعب، ملك وحيد، ملك لن يستمر طويلا، فالشعوب ستقول يوما كلمتها وستصنع الحدث، فهي تعي جيدا أن ثمن الحرية فادح وأن السكوت للذل أفدح ..

في بلاد الألمان …

 

في بلاد الألمان ... ثورة التقطها في ألمانيا

 

ناذرا ما تكتمل الأحلام في وطن الغربة والتيه، وقلما ينصف القدر أحد أبنائه برؤية أحلامه أو جزء منها تخرج للوجود معلنة ميلادها.

أصعب إحساس يمكن أن تستشعره هو الغربة في الوطن، وقفت أتأمل ما الذي قدمه لي وطني ؟ فلم أجد أي جواب لسؤالي ، ببساطة لم يقدم لي أي شيء …

كنت أحلم أن يأتي يوم أستنشق فيه نسيم أوروبا العليل، أن أجوب شوارعها النظيفة، أن أقف متأملا كيف بلغت شعوبها تلك الحضارة التي سمعت عنها دائما …

إستجاب القدر، وكنت عضوا ضمن بعثة علمية ، ممن سيحلون ضيفا على جامعة فرانكفورت بألمانيا لمدة أسبوع.

كانت الصدمة كبير منذ أول موطئ قدم لنا هناك، وكان أول ما فعلته هو استنشاق هواء أوروبا الذي طالما حلمت باستنشاقه … كان رائعا روعة ألمانيا …

ألمانيا بلد تجاوزنا بملايين السنين الضوئية، كفانا من التفاؤل المفرط لحد المثالية، لن نبلغ ما بلغه شعب الألمان قط، لنفترض جدلا أننا سنصله ذات يوم، كم من السنين ستكفينا؟ وهل سيبقى هذا الوطن كل تلك السنين حتى يحقق شيئا ما بلغه الالمان؟

أسئلة لا تحتاج لأن يجيب عنها أحد.

أحس بحزن شديد عتدما أتذكر أني سأعود للمغرب، سأعود للغربة من جديد بعد أن أستشعرت حقيقة الوطن في بلد لم أولد فيه، بلد لا أعرف لا لغته ولا تقاليده … ، ورغم ذلك قد انشرح صدري منذ أول يوم لي فيه، ليست الغربة دائما البعد عن الأقارب والأحباب، أو الهجرة لوطن غير الذي ترعرعت فيه، الغربة هي أن تولد في بلد لا يتذكرك إلا في حال الحروب وغزو المستعمر  ليجندك ضد العدو، الغربة هي أن تجد نفسك في وطن يجعل من  مطالبنك بحقوقك الطبيعية جريمة يعاقب عليها القانون، الغربة هي أن تحس بالتيه والضياع في وطنك، الغربة هي أن تبلغ  العشرينات من العمر وما تزال عبئا على والديك، الغربة هي أن لا تجد للإستقرار المادي والنفسي سبيلا في وطن كهذا الوطن، الغربة هي هذا الوطن …

في ألمانيا يستشعر الفرد قيمته كشخص وكرامته كإنسان، يعيش غالبية الألمان رفاها اجتماعيا واقتصاديا، يعيشون ليومهم فتجدهم يلملؤونه فرحا وبهجة، في كل مساء تجد في المدينة لوحات فنية وثقافية متنوعة، تجسد حضارة الشعب الألماني، وتوحي برقيه الفكري …، ألمانيا دولة تعطي قيمة لأفرادها وتعرف أن بناء الدولة والوطن متوقف على أفراد المجتمع.

شوارع نظيفة، مواصلات متنوعة وحديثة، جامعات تواكب آخر البرامج التعليمية وتساير التقدم العلمي، وتوفر لأبناء المانيا فضاء حقيقيا للدراسة والتعلم، نظام تعليمي غاية في الدقة يساير حاجيات الدولة ويخرج طاقات تعمل على إنماء المجتمع.

أطر جامعية غاية في التواضع، رئيس جامعة يدخل بكل بساطة ليتناول وجبة الغذاء إلى جانب الطلبة، وأساتذة يتجولون بدراجتهم الهوائية في رحاب الجامعة …

طلبة مجدون يقومون بكل شيء غير أن كتبهم لا تفارق أناملهم …

تحدث بعض زملائي في البعثة عن العنصرية، أمر غريب جدا، نحن دائما نبحث عن المشكل في غياب المشكل، لا أرى أبدا أن دولة سمحت لأكثر من 150جنسية بالتواجد في أراضيها أن نقول عنها عنصرية، إن الفئات المهاجرة هي من تكون صورة سلبية لدى الالمان، وما أكثر الجرائم التي يرتكبها بعض المهاجرين هناك …

يقال بأن سلوكات بسيطة، كالنظرة مثلا قد تجسد تعبيرا عنصريا رمزيا، أرى بأن المشكل هو مشكل ثقافي باللأساس، هذا الأخير يولد صراعا ثقافيا رمزيا بين السكان الأصليين والمهاجرين…

فقد تحس بأن بعض الألمان ينظرون إليك وأنت تتناول مثلا وجبة من الوجبات، مشكل وقع لنا جميعا أعضاء البعثة، وبعد مدة من إقامتنا هناك اكتشفنا أننا نضع في الإناء أضعاف ما يضعه الطلبة الألمان في أوانيهم،ونراه أمرا عاديا، لنكتشف بعد مدة أن ثقافة الأكل عندنا تختلف تماما لديهم …

أمور كثيرة ربما نراها عنصرية إلا أنها وبعد إعمال عقل واحتكاك مباشر تتضح أنها لا تمث للعنصرية بصلة، فكيف يمكن أن تعرف أن الألمان عنصريون وأنت لا تعرف حتى لغتهم ولم تحتك بهم بالدرجة التي تمكن من فهم ثقافتهم وفك رموزها … فاللغة هي المدخل الأساس لفهم اي ثقافة، ونحن لا نعرف حتى لغتهم ونحكم على بعضهم أنه عنصري، فقط لأنه نظر إلينا باستغراب…

ألمانيا دولة بلغت من الحضارة مبلغا لسنا ببالغيه، والعيش في ألمانيا يعلمك معنى أنك إنسان، بمجرد أن ترى الآخر تفهم معنى الوطنية والمواطنة والإنسانية، تفهم معنى الحقوق والواجبات، تعرف معنى القانون فوق الجميع، تفهم معنى العدل والديموقراطية … مفاهيم مجردة في وطننا نعرف فقط كيف نكتبها ونبحث عن معناها في الكتب، ونحلم بها في أحلامنا الوردية …

ألمانيا وطن، لا غربة فيه ولا ضياع، حتى المشردون تسعى الدولة جاهدة لتكفل لهم حقوقهم، المدمنون يحتضنهم وطنهم، كل الفئات التي نراها مهمشة في وطننا،  نجدها في المقابل تلقى عناية ودعما ماديا ومعنويا في ألمانيا الوطن الحقيقي …

المهاجرون أنفسهم توفر لهم الدولة حقوقهم التي تكفل لهم إنسانيتهم، وتحفظ لهم كرامتهم، إن كانت العنصرية في المانيا فلماذا لا تعود لوطنك الأم؟

لقد وجد كل مهاجر في المانيا حلقة ضائعة من ذاته وكيانه، فقد كل شيء في وطنه الأم، ولولا العاطفة التي تشده لأهله وذويه لنسي أنه كان يوما في وطن غير ألمانيا …

أن تزور ألمانيا يعلمك الكثير، أمور لا يمكن أن تقرأ عنها أو تسمعها من أحد …، زيارة ألمانيا أكدت لي فعلا أني غريب في هذا الوطن، زيارة المانيا جعلت حلم الهجرة يتعمق في دواخلي، في ألمانيا اكتشفت معنى أن تكون إنسانا، معنى أن تكون مواطنا، معنى الكرامة ومعنى القيمة … وفي ألمانيا اكتشفت معنى الوطن …